السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
128
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وجه الكلام مع أهل الكتاب ، وإنما قال أهل الكتاب هذه الكلمة أعني قولهم : اتخذ اللّه ولدا أول ما قالوها تشريفا لأنبيائهم كما قالوا : نحن أبناء اللّه وأحبائه ثم تلبست بلباس الجد والحقيقة فرد اللّه سبحانه عليهم في هاتين الآيتين فأضرب عن قولهم بقوله : بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ ، الخ ؛ ويشتمل على برهانين ينفي كل منهما الولادة وتحقق الولد منه سبحانه ، فإن اتخاذ الولد هو أن يجزى موجود طبيعي بعض أجزاء وجوده ، ويفصله عن نفسه فيصيّره بتربية تدريجية فردا من نوعه مماثلا لنفسه ، وهو سبحانه منزه عن المثل ، بل كل شيء مما في السماوات والأرض مملوك له ، قائم الذات به ، قانت ذليل عنده ذلة وجودية ، فكيف يكون شيء من الأشياء ولدا له مماثلا نوعيا بالنسبة إليه ؟ وهو سبحانه بديع السماوات والأرض ، إنما يخلق ما يخلق على غير مثال سابق ، فلا يشبه شيء من خلقه خلقا سابقا ، ولا يشبه فعله فعل غيره في التقليد والتشبيه ولا في التدريج ، والتوصل بالأسباب إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون من غير مثال سابق ولا تدريج ، فكيف يمكن أن ينسب إليه اتخاذ الولد ؟ وتحققه يحتاج إلى تربية وتدريج ، فقوله : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كل له قانتون برهان تام ، وقوله : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ برهان آخر تام ، هذا . ويستفاد من الآيتين : أولا : شمول حكم العبادة لجميع المخلوقات مما في السماوات والأرض . وثانيا : ان فعله تعالى غير تدريجي ، ويستدرج من هنا ، ان كل موجود تدريجي فله وجه غير تدريجي ، به يصدر عنه تعالى كما قال تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( يس / 82 ) ، وقال تعالى : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( القمر / 50 ) ، وتفصيل القول في هذه الحقيقة القرآنية ، سيأتي إنشاء اللّه في ذيل قوله : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً ( يس / 82 ) ، فانتظر . قوله تعالى : سُبْحانَهُ مصدر بمعنى التسبيح وهو لا يستعمل إلّا مضافا وهو مفعول